عاجلمقالات

سعاد محمد الصالح تكتب: تحركات السيسي الخارجية.. مصر تعزز حضورها الدولي

في عالم يشهد تغيرات متسارعة في موازين القوى الاقتصادية والسياسية، لم تعد العلاقات الدولية تُبنى على التحالفات التقليدية وحدها، وإنما أصبحت الدول مطالبة بتوسيع دوائر تحركها، وتنويع شراكاتها، والبحث عن مساحات جديدة للتعاون والاستثمار والتبادل التجاري.

 

وفي هذا السياق، تأتي التحركات الخارجية المصرية والمشاركة في اجتماعات تجمع «بريكس» باعتبارها جزءًا من توجه يستهدف تعزيز حضور مصر في دوائر دولية متعددة، وفتح مجالات أوسع أمام التعاون الاقتصادي والسياسي، والاستفادة من التحولات التي يشهدها النظام الدولي.

 

زيارة الهند.. علاقات تاريخية وفرص جديدة

 

تكتسب زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الهند أهمية خاصة في ضوء التطور الذي شهدته العلاقات بين القاهرة ونيودلهي خلال السنوات الماضية، وما تتيحه هذه العلاقات من فرص لتعزيز التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والصناعة والطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

 

والعلاقات المصرية الهندية لا تقوم على المصالح الاقتصادية فقط، وإنما تستند إلى تاريخ طويل من التواصل والتقارب، وهو ما يمنحها قاعدة يمكن البناء عليها لتطوير شراكات أكثر عمقًا خلال المرحلة المقبلة.

 

وتملك مصر، بحكم موقعها الجغرافي وقناة السويس وشبكة البنية الأساسية التي جرى تطويرها خلال السنوات الأخيرة، مقومات تجعلها طرفًا مهمًا في حركة التجارة وسلاسل الإمداد الإقليمية والدولية، وهو ما يمكن أن يمثل عنصر جذب للاستثمارات الهندية وغيرها من الاستثمارات الأجنبية.

 

بريكس.. من الحضور السياسي إلى المكاسب الاقتصادية

 

تمثل مشاركة مصر في تجمع «بريكس» أحد المسارات المهمة في سياسة تنويع الشراكات الاقتصادية. فالتجمع يضم مجموعة من الاقتصادات المؤثرة، بما يفتح أمام الدول الأعضاء مساحات واسعة للتعاون التجاري والاستثماري والصناعي.

 

وتكمن أهمية الحضور المصري في «بريكس» في إمكانية تحويل العلاقات السياسية إلى مشروعات اقتصادية ملموسة، سواء من خلال زيادة التبادل التجاري، أو جذب الاستثمارات، أو نقل التكنولوجيا، أو فتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية.

 

كما تتيح عضوية مصر مساحة للاستفادة من خبرات الدول الأعضاء في قطاعات تمثل أولوية للاقتصاد المصري، وفي مقدمتها الصناعة والطاقة والنقل والبنية الأساسية والتحول الرقمي.

 

الصناعة والسيارات.. فرصة لتعميق التصنيع

 

من القطاعات التي يمكن أن تستفيد من توسيع العلاقات مع دول «بريكس» قطاع الصناعة، ولا سيما صناعة السيارات والصناعات المغذية لها.

 

فجذب استثمارات جديدة في هذا القطاع، إلى جانب نقل التكنولوجيا وتوطين إنتاج المكونات، يمكن أن يسهم في زيادة القيمة المضافة محليًا، ورفع تنافسية المنتج المصري، وفتح أسواق تصديرية جديدة.

 

والهدف الأهم لا ينبغي أن يكون مجرد زيادة حجم الاستثمارات، وإنما توجيهها نحو القطاعات الإنتاجية التي تسهم في زيادة الصادرات، وتوفير فرص العمل، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتعميق التصنيع المحلي.

 

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.. السباق الجديد

 

لا يمكن فصل التحولات الاقتصادية العالمية عن التطور المتسارع في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.

 

ومن هنا تبرز أهمية التعاون مع الاقتصادات الكبرى في مجالات نقل التكنولوجيا، وتطوير الكفاءات، ودعم البحث العلمي، وتوطين الصناعات التكنولوجية، بما يساعد على بناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة والتكيف مع المتغيرات العالمية.

 

ويمثل هذا المجال تحديدًا فرصة أمام مصر للاستفادة من التجارب المختلفة لدول «بريكس»، خاصة في ظل اتساع استخدام التكنولوجيا في الصناعة والخدمات والنقل والطاقة والقطاع المالي.

 

التعاون الصحي.. مجال آخر للشراكة

 

يمتد نطاق التعاون الممكن مع دول التجمع إلى القطاع الصحي، من خلال الصناعات الدوائية والمستلزمات الطبية، وتبادل الخبرات والتكنولوجيا، ودعم البحث العلمي والتطوير.

 

وتكتسب هذه المجالات أهمية خاصة في ظل الاتجاه العالمي نحو تعزيز أمن سلاسل الإمداد الطبية، وتقليل الاعتماد على مصادر محدودة للإنتاج، وهو ما يجعل توطين الصناعات الدوائية والطبية أحد الملفات التي يمكن أن تحقق قيمة اقتصادية واستراتيجية في الوقت نفسه.

 

قناة السويس.. ميزة مصرية في سلاسل الإمداد

 

تملك مصر عنصرًا استراتيجيًا يصعب تجاهله في أي نقاش حول التجارة الدولية، وهو الموقع الجغرافي وقناة السويس.

 

ومع إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، تستطيع مصر العمل على تعظيم الاستفادة من موقعها من خلال تطوير الخدمات اللوجستية، وجذب الصناعات المرتبطة بالتجارة، وتوسيع مشروعات التخزين وإعادة التصدير، وربط مناطق الإنتاج بالأسواق الإقليمية والدولية.

 

وهنا تصبح الاستثمارات في البنية الأساسية وسيلة لتحقيق هدف اقتصادي أكبر، يتمثل في تحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة مضافة وفرص إنتاج وتصدير.

 

تنويع العلاقات.. مساحة أوسع للحركة

 

التحرك المصري على أكثر من مسار دولي يعكس طبيعة عالم لم يعد فيه الاقتصاد أو السياسة الدولية محكومين بمحور واحد.

 

فالتعاون مع الهند ودول «بريكس» لا يعني إغلاق أبواب التعاون مع أوروبا أو الولايات المتحدة أو الدول العربية أو الأفريقية، وإنما يمكن النظر إليه باعتباره جزءًا من شبكة أوسع من العلاقات التي تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

 

وتنويع الشراكات يمنح الدولة مساحة أكبر للحركة، ويتيح لها الوصول إلى أسواق واستثمارات وخبرات متعددة، ويقلل مخاطر الاعتماد على شريك أو سوق واحد.

 

من الدبلوماسية إلى الاقتصاد.. التحدي الأهم

 

لكن نجاح التحرك الخارجي لا يقاس بعدد الزيارات أو اللقاءات وحدها، وإنما بمدى قدرة الدولة على تحويل العلاقات السياسية إلى نتائج اقتصادية قابلة للقياس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى