رامي عبدالمجيد يكتب: ماذا لو لم تكن أزمة نقابة التجاريين في القانون بالدرجة الأولى؟

منذ سنوات طويلة يدور النقاش داخل نقابة التجاريين حول القوانين والتشريعات باعتبارها المدخل الرئيسي لحل أزمات النقابة المتراكمة.
ومع مرور الوقت أصبح من المعتاد أن تنتهي معظم المناقشات عند نقطة واحدة، وهي أن الحل يبدأ وينتهي بتعديل القانون.
ولكن بعد الاستماع إلى العديد من الآراء المختلفة، سواء من أعضاء النقابة داخل مصر وخارجها، أو أصحاب المعاشات، أو عدد من المرشحين المحتملين على الساحة النقابية، أو بعض القائمين على العمل داخل النقابة، يبرز سؤال يستحق التوقف أمامه:
ماذا لو لم تكن أزمة نقابة التجاريين في القانون بالدرجة الأولى؟
لا أحد ينكر أهمية التشريعات، ولا أحد ينكر أن هناك تحديات قانونية تحتاج إلى معالجة، لكن الملاحظ أن الجميع تقريباً أصبح أسيراً لفكرة واحدة، وهي أن تعديل قانون النقابة رقم 40، وقانون 11 لسنة 1992، وقانون 100، هو الشرط المسبق لأي تحرك أو تطوير أو حل.
حتى بدا وكأن النقابة لن تخطو خطوة واحدة للأمام قبل انتهاء هذه التعديلات.
ومع الوقت انتقلت هذه القناعة من بعض القائمين على الملف إلى عدد من المرشحين المحتملين، ثم إلى قطاع من الأعضاء أنفسهم، وأصبح الحديث عن تطوير النقابة أو تنمية مواردها أو تحسين خدماتها ينتهي سريعاً عند تعليق الأسباب على القوانين والجهات المختصة بالتعديل.
ورغم أهمية هذه التشريعات، فإن ذلك لا يغير حقيقة أن هناك عشرات الخطوات التنفيذية التي يمكن البدء فيها فوراً دون انتظار أي تعديل قانوني.
وهنا يبرز التساؤل الأهم:
كيف استسلمنا جميعاً لهذه الفكرة وكأننا لسنا أبناء مهنة تقوم في جوهرها على التحليل والتخطيط وإدارة الموارد وصناعة البدائل؟
فالمحاسب بطبيعته لا يكتفي بوصف المشكلة، بل يبحث عن الحلول الممكنة في ظل المعطيات المتاحة، ويعمل على تعظيم الاستفادة من الأصول والإمكانات قبل المطالبة بأدوات جديدة.
ومن هنا أرى أن المشكلة ربما تكون أعمق من مجرد نصوص قانونية.
فحين نتحدث عن ضعف الخدمات، أو صعوبة التواصل مع الأعضاء، أو انخفاض معدلات تحصيل الاشتراكات، أو توقف بعض المزايا والخدمات، فإننا نتحدث في النهاية عن نتائج، بينما يبقى السؤال الحقيقي متعلقاً بالأدوات والآليات التي تدار بها المؤسسة.
ولعل ما يميز مهنة المحاسبة أن أصحابها بحكم طبيعة عملهم اعتادوا النظر إلى المؤسسات من زاوية مختلفة.
فنحن نتعامل يومياً مع خطط التطوير، وإعادة الهيكلة، وتنمية الموارد، وتعظيم الاستفادة من الأصول والإمكانات المتاحة، ورفع كفاءة الأداء المالي والإداري للمؤسسات التي نعمل بها أو نتولى إدارة مواردها.
ولهذا يصبح من الطبيعي أن نبحث عن حلول تنفيذية وفرص نمو قبل البحث عن المبررات.
فالمحاسب عندما يرى أصلاً غير مستغل يسأل كيف يمكن تعظيم عائده.
وعندما يرى مورداً لا يحقق أفضل عائد ممكن يبحث عن وسائل تطويره.
وعندما يرى قاعدة مستفيدين ضخمة لا يتم الاستفادة منها بالشكل الأمثل، يبدأ في التفكير في آليات الإدارة والتطوير قبل أي شيء آخر.
ونقابة التجاريين تمتلك واحداً من أكبر الأصول التي يمكن أن تمتلكها أي مؤسسة مهنية، وهو أعضاؤها.
فنحن نتحدث عن أكثر من مليون ومائة ألف عضو مقيد، وملايين المستفيدين من أسرهم، وملايين أخرى من خريجي المؤهلات التجارية الذين يمثلون امتداداً طبيعياً للنقابة.
لكن الاستفادة الحقيقية من هذا الأصل تبدأ من نقطة جوهرية، وهي وجود قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة وقابلة للاستخدام.
فبدون بيانات دقيقة يصبح من الصعب التخطيط أو التواصل أو التوسع في الخدمات أو تنمية الموارد.
أما عندما تمتلك النقابة قاعدة بيانات حديثة، فإن الصورة تختلف تماماً.
فيمكن التواصل المباشر مع الأعضاء.
ويمكن دعوتهم للجمعيات العمومية بسهولة.
ويمكن إخطارهم بموقف اشتراكاتهم وخدماتهم.
ويمكن الوصول إلى المصريين العاملين بالخارج.
ويمكن التعرف بصورة دقيقة على احتياجات الأعضاء في كل محافظة وتخصص.
كما أن قاعدة البيانات القوية تمنح النقابة قوة تفاوضية أكبر أمام البنوك وشركات التأمين والجهات الطبية ومراكز التدريب والقطاع الخاص، لأنها تصبح قادرة على تقديم أرقام دقيقة وقابلة للقياس حول حجم المستفيدين من خدماتها.
ومن هنا تظهر أهمية التحول الرقمي.
فالرقمنة لم تعد رفاهية إدارية أو ترفاً تقنياً، بل أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة العصر، كما أنها تتوافق بصورة كاملة مع توجهات الدولة المصرية ورؤية مصر 2030 التي تضع التحول الرقمي والشمول المالي وتطوير قواعد البيانات في مقدمة أدوات بناء المؤسسات الحديثة ورفع كفاءة الخدمات وتعظيم الاستفادة من الموارد.
وقد أثبتت العديد من التجارب نجاح هذا التوجه، سواء في المؤسسات الحكومية أو الاقتصادية أو المهنية.
بل إن بعض النقابات المهنية مرت بظروف مالية وإدارية وقانونية معقدة، ثم استطاعت تطوير خدماتها من خلال التطبيقات والمنصات الرقمية، وهو ما نراه اليوم في تطبيق “نقابتي” الخاص بنقابة المهندسين وغيرها من التجارب الناجحة.
وتبدأ الفكرة ببساطة من إطلاق منصة لتحديث البيانات، تسمح للعضو بمراجعة بياناته وتعديلها واستكمالها بنفسه، على غرار العديد من المنصات الحكومية والضريبية الحديثة، مع مراجعة واعتماد الجهة المختصة.
وبمجرد اكتمال عملية تحديث البيانات، تصبح النقابة قادرة على الوصول المباشر إلى أعضائها ودعوتهم إلى الجمعيات العمومية وإخطارهم بمستحقاتهم وخدماتهم واشتراكاتهم، كما يصبح سداد الاشتراكات أكثر سهولة وانتظاماً.
بل إن وجود منصة حديثة وخدمات إلكترونية متطورة سيشجع شريحة واسعة من خريجي الكليات والمعاهد التجارية على الانضمام إلى النقابة، وهو ما استمعنا إليه بالفعل في العديد من الآراء والمناقشات خلال الفترة الماضية.
ثم يتم الانتقال إلى منظومة متكاملة للدفع والتحصيل الإلكتروني بالتعاون مع البنوك وشركات التحصيل المختلفة.
ثم إطلاق منصة إلكترونية وتطبيق رسمي للنقابة يتيح خدمات العضوية والاشتراكات والمعاشات والرعاية الصحية والتدريب والتوظيف والاستشارات والخدمات المختلفة.
وعند هذه المرحلة لن تكون الفائدة مقتصرة على النقابة فقط.
فالأعضاء سيحصلون على خدمات أفضل.
وشركات الدفع والتحصيل الإلكتروني ستحصل على قاعدة تعاملات ضخمة ومنظمة تحقق لها عائداً اقتصادياً مستمراً.
والقطاع الخاص سيجد منصة مهنية كبيرة للتواصل مع الكفاءات والخبرات.
ومراكز التدريب ستتمكن من الوصول إلى شريحة واسعة من المتخصصين.
كما ستصبح النقابة أكثر قدرة على تنمية مواردها من خلال رفع معدلات التحصيل، واستعادة الأعضاء غير المسددين، وجذب أعضاء جدد، وإقامة شراكات مهنية واقتصادية متنوعة.
والحقيقة أن ما نتحدث عنه اليوم ليس مجرد تطوير داخلي لنقابة التجاريين، بل نموذج يمكن أن ينسجم بصورة كاملة مع توجهات الدولة المصرية ورؤية مصر 2030، خاصة فيما يتعلق بالتحول الرقمي والشمول المالي ورفع كفاءة المؤسسات وتوسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات.
وعندما تمتلك النقابة قاعدة بيانات دقيقة ومنصة إلكترونية متكاملة وتطبيقاً فعالاً يربطها بأعضائها، فإنها لا تخدم أعضاءها فقط، بل تصبح شريكاً داعماً لمنظومة التنمية والتحديث التي تشهدها الدولة المصرية في مختلف المجالات.
ولهذا أعتقد أن السؤال الذي يستحق المناقشة اليوم ليس فقط: متى سيتم تعديل القانون؟
بل: هل استخدمنا بالفعل كل أدوات الإدارة الحديثة المتاحة لنا؟
وهل استغللنا الأصول والإمكانات التي تمتلكها النقابة بأفضل صورة ممكنة؟
لأن المؤسسات الناجحة لا تبني مستقبلها على ما تنتظره فقط، بل على ما تستطيع أن تبدأ به اليوم.
وربما تكون هذه هي اللحظة المناسبة للانتقال من مرحلة الحديث عن الأزمات إلى مرحلة التفكير في الفرص.
ومن انتظار الحلول إلى صناعة الحلول.



