
يقول جل شأنه : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ..
يضيق صدره ، يشعر بالاختناق ، لنقص الأكسجين ، كلما ازداد ارتفاعاً من الأرض ، نحو السماء .
علمياً ، زيادة الارتفاع ، بالصعود في السماء ، تجعل المخ يعطي إشارات تحذير ، تتزامن مع إفراز مواد تجبره علي الاقتصاد في الأكسجين لقلته ، أو ربما لندرته ، فتضيق القصبة الهوائية تلقائياً ، لتتأقلم مع الوضع الجديد .
تشبيه من الله ، شديد العظمة والروعة والإبداع .
تشبيه من الله ، يطال ببلاغته ، عنان السماء .
ضيقاً حرجاً ..
هذا ما أصاب الكثيرين ، ممن ينتمون اسماً للإسلام ! ولا تربطهم بعظمته وسماحته وتجلياته ، رابطة علي الإطلاق .
إن قلتَ لهم ، قال الله ورسوله ، ضاقت صدورهم ، وأسودت وجوههم ! وإن قلتَ لهم ، قال هولاكو ، تهللوا فرحاً ، وانشرحت قلوبهم !
لا يُفوتون فرصة للانقضاض علي الدين ، إلا فعلوا ، بلا علم ، بلا خلق ، بلا ضمير .
بينهم وبين الإسلام عداء لا يتوقف ، وكراهية لا تنتهي .
كراهية تحركها أحقادهم وجهلهم .
بالوعات مفتوحة ، ليلاً ونهاراً ، تزكم الأنوف ، وتصيب بالغثيان ، وتدعو للاشمئزاز .
لا تردعهم بقية من ضمير ، ولا يمنعهم شيء من عقل .
لا تشغلهم صحة المريض ، إلا عند الصيام !
ولا يفزعون لقضايا المرأة ، إلا في الحجاب والميراث !
لا يدافعون عن حقوق الحيوان ، إلا وقت الأضحية !
ولا ينادون ببناء مستشفى ، إلا عند بناء مسجد !
لا يدعون للترشيد ، إلا أوقات الحج والعمرة !
قطعوا على أنفسهم عهوداً ، بأن يسعوا ، بكل ما أوتوا من قوة ، إلى الاعتراض على كل ما يتعلق بالإسلام والقرآن تحديداً ، فقط دون غيرهما من الأديان والكتب ، فأينما ذُكِرَ الإسلام ، انهالت الصيحات والصرخات والاستغاثات !
الإلحاد عندهم حرية ، والتطاول علي القامات ، فكر ، والفاحشة انفتاح ، والحجاب تخلف ، وقطع يد السارق وحشية .
هال أحدهم أن جاء امتحان اللغة العربية ، للشهادة الإعدادية ، بإحدي المحافظات ، متضمناً آيات من القرآن الكريم ! وتفجرت بين جنبات نفسه الخبيثة ، بالوعة التشدق بالدفاع عن حقوق الأخوة المسيحيين !
والسؤال ، هل شكي لكَ أحدهم ؟ لم يحدث !
هل نصَّبوك مدافعاً عنهم ؟ لم يفعلوا !
هل يُسعدهم فتحك أبواباً للفتنة ، كهذه ؟ يقيناً لا !
هل تحظي بقدر ، ولو محدود ، من التقدير لديهم ؟ أشك !
بحسابات المنطق ، وبعيداً عن العقيدة ، فإن الراغب في التحدث بالعِبرية ، يجب أن يتعلم من التوراة ، ونصوصها العتيقة ، لا ضير في ذلك مطلقاً .
وغني عن أي بيان ، أن دراسة النص القرآني ، لغير المسلمين ، ليست بغرض استخراج أحكام دينية ، بل للتعرف على البِنية اللغوية المتينة ، والتراكيب البلاغية الأصيلة ، والإبداعات النحويّة والإعرابية الرائعة ، وبخاصة وأنها نصوص تدعو جميعاً إلي مكارم الأخلاق ، فوازع الفضيلة حاضر لا يغيب ، وهو بلاشك ثابت لا يتغير ، من دين لآخر . هل سمعنا يوماً عن اختلاف في مفاهيم الرحمة والعفو والصدق والأمانة ، في الإسلام عن المسيحية ؟ مستحيل .
ومن الناحية الأخري ، فقد أجمع القاصي والداني ، علي تفرد القرآن الكريم ، في اللغة العربية وفنونها .
فليس من الأخلاق ، خلط الأوراق ، والاصطياد في الماء العكر ، والقفز فوق سطح المشاهد ، ولي عنق الحقائق ، بغية استجداء المتابعين ، سيما وقد عزف الجميع عن هذا ، لضآلة المنطق ، وضحالة الفكر ، وسوء القصد .
إذا درس أحدهم الشعر الجاهلي ، هل يعني ذلك ، أنه يستعد لعبادة الأصنام ؟!
ولماذا لم ينتقد هذا ، ومَنْ علي شاكلته ، جامعات في أوروبا ، وهي تُدرِّس النصوص المقدسة في كلياتِها اللغوية والتاريخية ، وفيها طلاب مسلمون؟! يتعاملون بلا حرج ، مع قطوف الحكمة ، وإن كانت من غير كتابهم المقدس .
الطلاب في مصر ، وغيرها من البلاد ، مسلمون ومسيحيون ، يدرسون الآيات القرآنية الكريمة ، بلاغياً ونحوياً وبيانياً ، ولم يعترضوا يوماً عليها ، بل كانوا سعداء بها ، وكثير من الأخوة المسيحيين الأفاضل ، رفضوا الزج بهم في هذا المحفل الهابط ، مؤكدين ثقتهم أن أبناءهم يتعلمون اللغة العربية السليمة والرصينة ، من القرآن الكريم .
وماذا عساه يفعل هذا الأفاك الأشر ، لو ساقته قدماه ، لإحدي قرانا ، بالريف أو بالصعيد ، ورأى بعيني رأسه ، فلديه البصر ، وإن لم تكن لديه البصيرة ، رأي بعض أحبتنا المسيحيين ، وهم يفتحون الراديو على إذاعة القرآن الكريم ، للاستماع إلي الشيوخ ، رفعت والمنشاوي والحصري وعبد الباسط والطبلاوي ، وغيرهم من عباقرة التلاوة .
ولقد تواترت إلينا الحكايات ، أن الفنان الكبير ، نجيب الريحاني ، كان يستمع في رمضان لتلاوات الشيخ محمد رفعت ، ويبكي بكاءً شديداً ، لجمال المعني ، وعذوبة الصوت ، بل وكان يرفض فتح ستارة مسرحه ، إلا بعد انتهاء الشيخ رفعت من قراءته في الإذاعة .
سمعنا عن عزاء للأخوة الأقباط في شبرا ، بدأ بتلاوة القرآن ! وسمعنا عن أقباط فازوا في مسابقة للقرآن الكريم بالمنيا ! وفي المحافظة ذاتها ، سمعنا ما هو أغرب ، عن قبطي ، يجمع أبناء قريته ، في حنو ومودة ، ويُجلسهم إلي جوار بعضهم البعض ، ليُحفظهم القرآن !
وسمعنا عن السياسي المخضرم ، مكرم عبيد ، الذي كان يستشهد في خطاباته السياسية النارية ، ببعض آيات القرآن الكريم . والأمثلة في ذلك كثيرة ومتنوعة ..
وهذا مثال واحد أسوقه ، تأكيداً علي ما أقوله ، جاءني كخاطرة ، ولم أسعَ للبحث عنه تحديداً ، فالنماذج أكثر وأكبر ، من أن تُعد وتُحصي :
قال تعالي : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ..
اجْتَنِبُوا .. أمر بالاجتناب ، وهو أبلغ من الترك ، فلم يقل اتركوا . والاجتناب يعني الابتعاد ، وترك الساحة تماماً ، وهو أعظم في القصد ، وأكبر حماية للفرد والجماعة ، من مجرد الترك فقط .
كَثِيراً مِّنَ .. تقييد للظن ، فلم يقل الله : اجْتَنِبُوا الظَّنَّ كُلَّه .. لأن بعض الظن مطلوب وحتمي ، مثل : حسن الظن بالله ، وحسن الظن بالمؤمنين .
والتعليل البياني ، في قوله تعالى : إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ..يضع قاعدة عقلية ومنطقية وشرعية واضحة ، تضبط حدود الشك والتهمة ، فبعض الظن خير ، وبعض الظن إثم .
ما هذا الميزان الدقيق المذهل ؟ وما الذي مكننا من الفهم والتفريق وضبط المعاني ؟ دقة اللغة !
وبعد الأمر ، تأتي النواهي : وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً ..
نهي عن الغيبة والتجسس ، والأخير بخلاف ( التحسس ) فالتحسس بغرض الرغبة في المساعدة ، وإزالة الهموم ، أما التجسس ، فبغرض كشف العورات ، والاطلاع علي النقائص ، وهتك الستر ، وكلاهما مذكور في القرآن { فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ } والفارق بينهما ( نقطة واحدة ) نقطة ، لا كلمة ، لا حرف ، نقطة واحدة ! غيرت المعني 180 لدرجة !
فأية بلاغة هذه ؟ وأي جمال هذا ؟
أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ..
يقول علماء البلاغة ، هذا أسلوب إنشائي ، استفهامي ، غرضه البلاغي التعجب والاستنكار !
وهُنا تتجلي روعة التشبيه ، والتأكيد علي أن الغيبة والنميمة ، ليست مجرد كلمات ، يشغل بها المرء بعضاً من وقته ، وإنما هي جريمة نكراء ، كالأكل من لحم الأخ الميت ! فهل يستطيع الإنسان أنا يري أخاه ميتاً ، وبدلاً من الترحم عليه ، ومساعدته ، وبالمخالفة للفطرة ، يأكل من لحمه الميت ! هل يستطيع إنسان فعل ذلك ؟! هل تري تشبيهاً أبلغ وأعمق وأشد ردعاً من ذلك ؟ مستحيل !
نموذج بسيط ، لنص قرآني ، اختصرتُ كثيراً في استخلاص بعض من أسراره وجمالياته ، وعند الله المزيد ، وفي الإجمال ، الله أعلم بأسرار كتابه .
والسؤال : ما الضرر المعنوي أو الحسي ، الذي يُحدثه هذا النص القرآني ، أو غيره ، حين يُختبر ، في لغوياته ، إخواننا المسيحيون ؟!
إنَّ الّذي ملأ اللغاتِ محاسنًا ،
جعلَ الجمالَ وسرَّه في الضّادِ ..
لغتُنا العربيةُ ، لُغةُ الجمالِ ..
والقرآنُ الكريمُ نفسُه :
بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ..
قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍۢ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ..
لغتُنا العربيةُ ، هي الأصدقُ تعبيراً ،
والأجملُ تصويراً ، والأبلغُ تأويلاً ..



