احترام حق طلاب التعليم الدولي في جامعات بلدهم.. السبيل الأمثل لحماية الهوية وترسيخ الانتماء ورد الجميل
كتبت- نجلاء السيد الأنصاري

خلال الأيام الماضية وصلتني رسائل كثيرة من أولياء أمور طلاب التعليم الدولي، يطلبون مني أن أتوقف أمام القرار الخاص باحتساب مادتي اللغة العربية وتاريخ مصر ضمن مجموع الطلاب بنسبة تصل إلى 20%، لما لذلك من تأثير مباشر على فرصهم في الالتحاق بالجامعة.
وبصراحة، لم أستطع أن أتعامل مع هذه الرسائل باعتبارها مجرد اعتراض على مادتين دراسيتين جديدتين، لأن القضية في جوهرها تتعلق بمستقبل طلاب اقتربوا بالفعل من بوابة الجامعة، وبسؤال أكبر عن العدالة وتكافؤ الفرص وتوقيت القرارات التي تمس مستقبلهم.
في البداية، دعونا نتفق على أمر واضح: لا أحد ضد الهوية المصرية، ولا أحد يرفض أن يتعلم أبناؤنا اللغة العربية أو تاريخ مصر. أبناء المدارس الدولية داخل مصر مصريون، وأبناء المصريين المقيمون في الخارج مصريون، والانتماء للوطن لا علاقة له بنوع المدرسة.
لكن المشكلة ليست في دراسة هذه المواد، وإنما في وزنها وتوقيت إدخالها في المجموع.
فالطالب المصري الذي يدرس داخل مصر في المدارس الحكومية أو الخاصة أو الناشونال يبدأ دراسة اللغة العربية منذ الصفوف الأولى، ويتدرج فيها عاما بعد عام، ويتعامل مع القراءة والكتابة والنحو والإملاء والأدب والبلاغة وغيرها من فروع اللغة، كما يدرس الدراسات الاجتماعية التي تتضمن تاريخ مصر وجغرافيتها، إلى جانب التربية الدينية.
أي أنه يصل إلى المرحلة الثانوية بعد سنوات طويلة من التأسيس.
أما طالب التعليم الدولي، فقد اختار منذ الصغر نظاما تعليميا مختلفا، بعدد مواد وساعات دراسة ونظام امتحانات وطريقة تقييم مختلفة. وفي كثير من المدارس الدولية يكون نصيب اللغة العربية ومواد الهوية أقل من نظيره في المدارس المصرية.
وهذا ليس ذنب الطالب.
هو لم يضع المنهج، ولم يحدد عدد الحصص، ولم يختر قواعد احتساب المجموع.
فكيف نحاسب طالبا نعرف جيدا طبيعة نظامه التعليمي الصعب، ونضيف إلى كاهله أعباء جديدة في السنوات الأخيرة من رحلته، ثم نجعل ما يقرب من ربع درجته مرتبطا بمادتين فقط؟
لماذا كل هذا التعجيز أمام طالب متفوق اجتهد سنوات طويلة، وخاض امتحانات دولية شاقة، ووضع أمام عينيه هدفا واضحا: أن يحصل على أعلى مجموع ممكن حتى يلتحق بالجامعة التي يحلم بها في وطنه؟
هل أصبح التفوق نفسه عبئا على صاحبه؟
اللغة العربية، مثلها مثل أي لغة، تحتاج إلى تأسيس يبدأ من الصغر. لا يمكن أن ننتظر حتى المرحلة الثانوية ثم نطلب من الطالب فجأة إتقان النحو والبلاغة والأدب والشعر والإملاء والقراءة والكتابة بالمستوى الذي يؤثر في مستقبله الجامعي. هذه مهارات تتراكم على سنوات.
وإذا كانت الدولة ترى أن مواد الهوية يجب أن تكون جزءا من المجموع، فهذا حقها، لكن المنطق يقتضي أن يبدأ التطبيق مع جيل جديد يدخل المنظومة وهو يعرف قواعدها منذ البداية.
أما أن يصل الطالب إلى Grade 10 أو Grade 11 أو Grade 12، ثم يجد أن جزءا كبيرا من مجموع قبوله الجامعي أصبح مرتبطا بمواد لم يكن مساره التعليمي مبنيا على هذا الوزن، فهنا نحن أمام تغيير حقيقي في قواعد المنافسة بعد أن بدأ السباق.
وتزداد صعوبة الأمر بالنسبة إلى طلاب الـIG الذين يخوضون بالفعل نظاما دراسيا ثقيلا، بين مواد OL وAS وامتحانات دولية تحتاج إلى استعداد طويل، وجداول تمتد على أسابيع في نوفمبر ومايو ويونيو.
فكيف نضيف إلى هذا الطالب مواد جديدة، ونطالبه بالاستعداد لها، ثم نجعل نتيجته فيها مؤثرة بهذا الحجم في مجموع القبول الجامعي؟
القضية ليست من يدرس أكثر، وإنما هل يتم تقييم الطلاب في ظروف عادلة، وهل حصل كل منهم على الوقت الكافي للاستعداد للقواعد التي سيحاسب وفقا لها؟
وبالنسبة إلى الطلاب المصريين المقيمين في الخارج، فهناك تحد آخر يتعلق بمواعيد الامتحانات. امتحانات الشهادات الدولية في مايو ويونيو لها جداول محددة وقد تمتد لأسابيع، وقد تتعارض مع امتحانات مواد الهوية.
وهنا تظهر أسئلة عملية لا يمكن تجاهلها: أين سيؤدي الطالب امتحانه؟ وكيف ستتم معالجة تعارض المواعيد؟ وماذا عن طالب عمره 16 أو 17 عاما يعيش خارج مصر، إذا كان مطلوبا منه السفر لأداء امتحان؟ وماذا عن ولي الأمر الذي قد يضطر إلى الحصول على إجازة من عمله وتحمل تكاليف السفر والإقامة؟
هذه ليست تفاصيل هامشية، وإنما ظروف حقيقية يجب أن تدخل في حساب أي قرار.
وهناك أيضا طلاب مصريون يعيشون في دول عربية ويدرسون بالفعل اللغة العربية والتربية الدينية وتاريخ الدولة التي يقيمون فيها وفقا للمناهج المعتمدة هناك، فهل تم وضع هذه الازدواجية في الاعتبار عند إعداد القرار؟
ثم نأتي إلى السؤال الأهم: لماذا الآن؟
الأسرة التي تختار نظاما تعليميا لابنها لا تختار مدرسة فقط، وإنما تختار مسارا كاملا، وتبني عليه سنوات من التخطيط والإنفاق. تعرف عدد المواد، وطبيعة الامتحانات، وشروط القبول الجامعي، وتتحرك وفقا لقواعد معلومة.
فهل من العدل أن يقطع الطالب معظم الطريق، ثم تتغير أمامه قواعد احتساب مجموعه في السنوات الأخيرة؟
والتصور بأن كل طالب في مدرسة دولية هو بالضرورة ابن لأسرة شديدة الثراء تستطيع ببساطة أن ترسله إلى الخارج إذا تغيرت القواعد، تصور غير دقيق. هناك أسر من الطبقة المتوسطة تكافح حتى تحافظ على مستوى تعليم أبنائها، وتتحمل سنوات من المصروفات، وربما تنفق جزءا كبيرا من مدخراتها أملا في أن يحصل أبناؤها على تعليم أفضل ومستقبل أكثر استقرارا.
هذه الأسر ليست لديها بالضرورة رفاهية السفر إلى الخارج أو تحمل تكلفة جامعة أجنبية.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: هل نريد أن تصبح الجامعة المصرية حلمًا متاحا فقط لمن يستطيع تحمل بدائل خارجية؟
أليس من حق الطالب المصري المتفوق، الذي اجتهد وحصل على أعلى الدرجات، أن تكون له فرصة عادلة في الالتحاق بجامعة بلده؟وأي هوية وأي انتماء نتحدث عنهما إذا كانت النتيجة التي يشعر بها الطالب في النهاية هي أن وطنه أصبح أكثر صعوبة في منحه فرصة تحقيق حلمه؟
وأي هوية وأي انتماء نتحدث عنهما إذا كانت النتيجة التي يشعر بها الطالب في النهاية هي أن وطنه أصبح أكثر صعوبة في منحه فرصة تحقيق حلمه؟
الانتماء لا يفرض بالعقاب، والهوية لا تحتاج إلى أن تتحول إلى عقبة أمام مستقبل الطالب.
إذا كانت الوزارة تريد تعزيز مواد الهوية، فليكن. وإذا كانت تريد امتحانا فيها ونسبة نجاح محددة، فهذا يمكن مناقشته. لكن تحويلها إلى جزء مؤثر من المجموع الجامعي لطلاب موجودين بالفعل في السنوات النهائية يحتاج إلى إعادة نظر جادة في التوقيت وآلية التطبيق.
الحل ليس إلغاء العربية أو تاريخ مصر، وإنما أن يبدأ التغيير من البداية.
ليتعلم الطالب العربية منذ الصغر، ويتدرج في النحو والأدب والبلاغة والقراءة والكتابة، ويتعرف إلى تاريخ بلده عاما بعد عام، ويعرف هو وأسرته منذ البداية أن هذه المواد ستكون جزءا من مستقبله الجامعي.
أما هذا الجيل، الذي قطع سنوات طويلة وفقا لقواعد مختلفة، فمن حقه أن يحصل على الوقت الكافي للاستعداد، وألا يتحمل وحده نتيجة قرار لم يشارك في وضعه.
فالقرارات التعليمية ليست مجرد لوائح وأرقام. وراء كل درجة طالب، ووراء كل طالب أسرة تحملت وأنفقت وحلمت.
لذلك، قبل اتخاذ أي قرار مفاجئ، ضعوا مصلحة الأولاد أمام أعينكم.
لا تجعلوا الطالب يدفع ثمن قواعد لم يخترها.
ولا تحولوا حلمه بالالتحاق بجامعة بلده إلى ثمن يدفعه مقابل قرار جاء متأخرا في مساره التعليمي.
نريد أبناءنا مصريين معتزين بلغتهم وتاريخ وطنهم، وهذا لا خلاف عليه.
لكننا نريدهم أيضا أن يشعروا أن وطنهم يقدر تفوقهم، ويحترم سنوات اجتهادهم، ويمنحهم فرصة عادلة لتحقيق أحلامهم.
فالهوية مهمة، لكن مستقبل الطلاب أيضا أمانة. والعدل أن نحافظ على الاثنين معا.



