رياضة

هكذا تصنع البطولات.. السنغال أبطال إفريقيا 2025

كتب رائد الديب _ الكاتب الصحفي  

 

نهائي لن يُنسى لسنوات طويلة.. نهائي لم تشهده نهائيات كأس أمم إفريقيا من قبل، لم تكن مجرد مباراة كرة قدم تحسم بركلة جزاء أو تصد أسطوري من حارس مرمى السنغال للعودة للمباراة من جديد، بل كانت ملحمة إنسانية ورياضية مكتملة الأركان، عنوانها الإصرار حين يظن الجميع أن النهاية قد حانت، وراويها قائد بالفطرة اسمه ساديو ماني..

 

مباراة مشحونة بالتوتر، لكن الإصرار كان عنوانها منذ الدقائق الأولى، منتخب أسود التيرانجا يصارع أسود الأطلس الطامح هو الآخر في اللقب، مدرجات مشتعلة، وعيون معلقة، وضغط نفسي بلغ ذروته.. ومع احتساب ركلة جزاء ضد السنغال في لحظات فارقة مع اقتراب نهاية الوقت الأصلي للمباراة، شعر كثيرون أن الكأس بدأت تميل بعيدا عن “أسود التيرانجا” بسبب سوء التحكيم _ كما رآه مدرب منتخب السنغال بابي ثياو، الذي طلب من لاعبيه مغادرة الملعب، في دقائق صعبة، وأنفاس محبوسة، ولاعبون بدت عليهم ملامح الانكسار، لحظة لم ترها أمم إفريقيا من قبل، ولم تحدث في نهائي القارة أبدا؛ ليغادر معظم اللاعبين الملعب تحت وطأة الغضب والارتباك..

 

وهنا ظهر المخلص، المؤمن بالفوز، تقدم ساديو ماني، لا بصفته نجما عالميا يلعب في أكبر أندية أوروبا، بل تقدم بوصفه إنسانا يعرف معنى السقوط ومعنى النهوض.. عاد خلف زملائه، جمعهم، نظر في أعينهم، وقال كلماته التي ستبقى محفورة في ذاكرة البطولة: “تعالوا سنلعب كالرجال، سنفوز”.. رغم أن كل المؤشرات تقول إن الفوز حليف المغرب وكأس أمم إفريقيا قريبة جدا من المغرب..

 

لم تكن كلمات استعراضية، بل كانت وعدا صادرا عن قلب مؤمن.. وعد تبعه فعل.. ركلة الجزاء تنفذ، وحارس مرمى السنغال يتصدى لها في لحظة تحولت فيها الجماهير من الصمت إلى الصراخ، ومن الخوف إلى الأمل.. تلك اللقطة لم تكن مجرد تصد، بل كانت رسالة: “ما زلنا هنا.. وما زلنا نقاتل”.. ليعود اللاعبون إلى الملعب، لكنهم لم يعودوا كما خرجوا.. عادوا بروح جديدة، بعزيمة أشد، وكأن كلمات ماني أعادت ترتيب أرواحهم قبل أقدامهم.. لم يعد النهائي صراع مهارات فقط، بل صراع إرادات، وفي هذا النوع من المعارك، ينتصر من يؤمن أكثر..

 

ساديو ماني لم يسجل هدف الفوز فقط، بل قاد الفريق نفسيا ومعنويا.. تحرك، شجع، طالب، صرخ، وابتسم في وجه الخوف.. كان حاضرا في كل تفصيلة، كأنه يقول لكل لاعب: “أنا معك.. لو سقطت لن تسقط وحدك”.. حتى حقق أسود التيرانجا الفوز في الوقت الإضافي، ليصيح بابي ثياو، مدرب المنتخب السنغالي بأن ماني هو من منح المنتخب الفوز، معترفا بما فعله ماني الذي خلصهم من الهزيمة في بلاد الأطلس..

 

مشهد عظيم وجميل، على الرغم من أن ساديو ماني هو القائد الثالث لمنتخب السنغال، يصر القائد الأول كاليدو كوليبالي على منحه شارة القيادة في لحظة التتويج، وجعله هو من يرفع الكأس، لم يكن ذلك تكريما للاعب فقط، بل اعترافا بدور القائد الحقيقي، ذاك الذي يقود وقت الشدة لا وقت الفرح.. ليحمل الفريق ماني على الأكتاف، بينما كان هو قد حملهم قبلها على أكتاف الإيمان والثقة.. مشهد لم يكن صدفة.. فكما قال الأسطورة السنغالية الحاج ضيوف، الذي كان حاضرا وهمس في أذن ماني من وسط الجمهور أكمل وقاتل، وصرح بعد الفوز؛ “لطالما قال ماني إنني مثله الأعلى.. بدأنا من الصفر، وها نحن الآن أبطال وطنيون.. كان الإرث ثقيلا، لكنه حمله بخفة.. السنغال في قلوبنا”؛ كلمات ضيوف تختصر رحلة جيل كامل، جيل بدأ بلا ألقاب، بلا تاريخ ثقيل، لكنه امتلك حلما، وصبر عليه.

 

ماني ابن القرى الفقيرة، ابن البدايات الصعبة، الذي تعلم أن الطريق إلى القمة لا يفرش بالورود، بل بالأشواك والخيبات، وأن الفارق بين الخاسر والبطل هو القدرة على الوقوف مرة أخرى.. هذا النهائي يجب ألا يُروى فقط كحدث رياضي، بل كدرس للأجيال.. درس لكل لاعب ناشئ يظن أن موهبته وحدها تكفي، ولكل شاب يعتقد أن الهزيمة نهاية الطريق.. ما فعله ساديو ماني ورفاقه يقول بوضوح؛ “البطولة تبدأ من الداخل، من الإيمان، من العزيمة، من كلمة صادقة تُقال في اللحظة الصعبة، هكذا تُصنع البطولات.. وهكذا يولد الأبطال.. ليس عندما تسير الأمور كما نريد، بل عندما تسير عكسنا… ونصر على الفوز”.. السنغال أبطال إفريقيا في نسخة البطولة لعام 2025.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى