عاجلمقالات

سعاد محمد الصالح تكتب: الأوطان تُبنى بالوعي.. والفوضى لا تصنع مستقبلًا

على مدار تاريخه الطويل، أثبت الشعب المصري أنه يمتلك قدرة استثنائية على حماية وطنه في اللحظات الفارقة، وأن وعيه الجمعي يظل أحد أهم خطوط الدفاع عن الدولة ومؤسساتها، مهما تعددت محاولات التشكيك أو حملات التضليل أو الدعوات التي تستهدف جر البلاد إلى الفوضى والاضطراب.

 

وفي عصر أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لتداول المعلومات، لم تعد محاولات التأثير في المجتمعات تعتمد فقط على الأحداث الميدانية، وإنما أصبحت الكلمة والصورة والفيديو والشائعة أدوات يمكن استخدامها لتشكيل الوعي العام ودفع المواطنين إلى اتخاذ مواقف بناءً على معلومات غير دقيقة أو مجتزأة.

 

وهنا تبرز أهمية الوعي المصري، الذي يمثل الحصن الأول في مواجهة كل محاولات العبث بعقول المواطنين أو استغلال الأزمات لإثارة الخوف والقلق وزعزعة الثقة في مؤسسات الدولة.

 

أبواق التضليل.. معركة على الوعي

 

على مدار السنوات الماضية، شهد الفضاء الإلكتروني حملات متكررة لنشر أخبار غير موثقة ومعلومات مضللة، إلى جانب إعادة تدوير وقائع قديمة وتقديمها باعتبارها أحداثًا جديدة، فضلًا عن استخدام الصور ومقاطع الفيديو خارج سياقها بهدف صناعة حالة من الغضب أو الإحباط.

 

وتكمن خطورة هذه الممارسات في أن الشائعة لم تعد تحتاج إلى أيام حتى تنتشر؛ فقد يصل محتوى مضلل إلى ملايين المستخدمين خلال ساعات قليلة، قبل أن تظهر الحقيقة أو يتمكن المتلقي من التحقق منها.

 

ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط مع من يصنع الشائعة، وإنما أيضًا مع البيئة التي تسمح لها بالانتشار.

 

فكل مشاركة غير مسؤولة لمحتوى مجهول المصدر قد تمنح الشائعة حياة جديدة، وكل معلومة يتم تداولها دون تحقق يمكن أن تتحول إلى أداة لإرباك المجتمع.

 

وعي المصريين.. السلاح الأقوى

 

لكن محاولات التضليل تصطدم دائمًا بوعي المواطن المصري الذي أصبح أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وأكثر إدراكًا لخطورة الانسياق وراء دعوات مجهولة المصدر.

 

فالوعي لا يعني الاتفاق على رأي واحد، ولا يعني غياب الاختلاف، وإنما يعني أن يكون الاختلاف في إطار المسؤولية، وأن تظل مصلحة الوطن وسلامة المجتمع فوق كل خلاف.

 

ومن حق المواطن أن يسأل ويناقش وينتقد ويختلف، لكن من واجبه في الوقت نفسه أن يتحقق قبل أن يصدق، وأن يفكر قبل أن يشارك، وألا يسمح لمنصات مجهولة بأن تحدد له ما يشعر به أو تدفعه إلى موقف لمجرد انتشار منشور أو مقطع فيديو.

 

الاختلاف حق.. والفوضى ليست حلًا

 

لا يمكن لأي مجتمع أن يتقدم دون مساحة للاختلاف والحوار، لكن هناك فارقًا كبيرًا بين المعارضة أو النقد أو التعبير عن الرأي، وبين التحريض على العنف أو التخريب أو استهداف مؤسسات الدولة والممتلكات العامة والخاصة.

 

فالأوطان لا تُبنى بالفوضى، ولا تُحل مشكلاتها بالعنف، ولا تتحقق مطالب المواطنين عبر نشر الخوف أو إشاعة الفتنة بين أبناء المجتمع الواحد.

 

والتاريخ يعلمنا أن الفوضى عندما تبدأ لا تملك جهة واحدة السيطرة على نتائجها، وأن تكلفة انهيار الاستقرار لا يدفعها طرف واحد، وإنما يدفعها المجتمع بأكمله.

 

مصر ومؤسساتها.. مسؤولية مشتركة

 

إن الحفاظ على الدولة واستقرارها ليس مسؤولية مؤسسة واحدة، وإنما مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة والمواطنين والإعلام.

 

فالدولة مطالبة بتقديم المعلومات الصحيحة للرأي العام، والرد على الشائعات في الوقت المناسب، وشرح الحقائق بشفافية ووضوح، بينما تقع على وسائل الإعلام مسؤولية الالتزام بالدقة وعدم تحويل السبق الصحفي إلى سباق لنشر معلومات غير مؤكدة.

 

أما المواطن، فهو الحلقة الأهم في هذه المنظومة؛ لأنه يستطيع بكبسة زر أن يوقف انتشار شائعة أو يمنحها ملايين المشاهدات.

 

ومن هنا فإن الاستخدام المسؤول لمواقع التواصل الاجتماعي أصبح جزءًا من حماية الأمن المجتمعي، تمامًا كما أن احترام القانون والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة يمثلان واجبًا وطنيًا.

 

الاصطفاف وقت الخطر

 

وفي اللحظات التي تتعرض فيها الدولة لتحديات حقيقية، تظهر قيمة الاصطفاف الوطني، ليس باعتباره إلغاءً للاختلاف، وإنما باعتباره اتفاقًا على الثوابت الكبرى التي لا خلاف عليها: حماية الوطن، والحفاظ على مؤسساته، ورفض العنف، وصون مقدرات الدولة.

 

وتظل القوات المسلحة المصرية والشرطة المصرية من مؤسسات الدولة التي تضطلع بمهام أساسية في حماية الأمن القومي وتأمين الجبهة الداخلية، وفقًا لاختصاصات كل منهما، بينما يمثل الشعب المصري الظهير الأوسع لأي جهود تستهدف حماية الاستقرار ومواجهة محاولات الفوضى.

 

إن قوة مصر الحقيقية لا تكمن فقط في مؤسساتها، وإنما في العلاقة التي تجمع مؤسسات الدولة بالمواطن، وفي قدرة المجتمع على الوقوف أمام محاولات زرع الانقسام أو بث الخوف أو استغلال الأزمات.

 

لن تنجح الشائعة أمام وعي وطن

 

لقد أثبتت التجارب أن الشائعة قد تكون سريعة الانتشار، لكنها ليست أقوى من الحقيقة إذا امتلك المجتمع الوعي الكافي للبحث والتحقق.

 

ولذلك فإن مواجهة دعوات الفوضى تبدأ من الهاتف المحمول، من لحظة يقرر فيها المواطن ألا يعيد نشر معلومة مجهولة، وألا يشارك مقطعًا لمجرد أنه مثير، وألا يصدق اتهامًا لمجرد أنه انتشر على نطاق واسع.

 

فمصر ليست مجرد حدود جغرافية أو مؤسسات، وإنما وطن له تاريخ وذاكرة وشعب عايش أزمات وتحديات كثيرة، واستطاع في كل مرة أن يعبر منها عندما تمسك بأمن بلاده ورفض الانجرار وراء الفوضى.

 

وفي النهاية، ستظل مصر قوية بوعي أبنائها، وبقدرة شعبها على التمييز بين الاختلاف المشروع ومحاولات إشعال الفتنة، وبين النقد المسؤول والدعوة إلى الفوضى.

 

حفظ الله مصر وشعبها، وحفظ مؤسساتها الوطنية، وأدام عليها الأمن والاستقرار، وجعل وعي المصريين دائمًا حائط الصد الأول أمام كل دعوة تستهدف أمن الوطن واستقراره.

 

تحيا مصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى