تقريرعاجل

“كوبري قصر النيل” حكاية 87 عاما لأهم شرايين القاهرة .. و أسوده تحمى تاريخة

 

كتبت: هبه حرب

افتتح الملك فؤاد قبل 87 عام من اليوم كوبري قصر النيل الذي سمي في ذلك ، بإسم كوبري الخديوي إسماعيل لكنه لاحقا تغير اسمه إلى كوبري قصر النيل.
ويقع كوبري قصر النيل كوبري بالقرب من ميدان التحرير بالقاهرة ، كما يعد أول كوبري أنشأ في مصر للعبور على النيل، ويتميز بتلك التماثيل الأربعة للأسود القابعة عند مدخلي الكوبري المصنوعة من البرونز.
و قد بدأ إنشائه عام 1869 في عهد الخديوي إسماعيل ، حيث أصدر أمراً عالياً إلى نظارة الاشغال عام 1865 أثناء بناء سراي الجزيرة بإقامة كوبري يصل بين القاهرة والجزيرة بتكلفة 113 ألف و 850 جنيه مصري وقامت شركة فرنسية ببنائه، ليكتمل بناؤه في منتصف عام 1871 بطول (406 أمتار) وعرض (10,5 متر) منها (2,5 متر) للرصيفين الجانبيين وطريق بعرض (8 أمتار)، وبلغت تكاليف إنشائه 110 آلاف جنيه.
وتقرر فرض رسوم عبور حسب نوع المار بالجسر فالرجال والنساء ربع قرش والأطفال والغزلان معفيين من الرسوم والعربات المليئة بالبضائع قرشين والفارغة قرش، سمى الجسر بكوبري قصر النيل نظراً لأنه كان يوجد قصر كبير على النيل من جهة ميدان التحرير يسمى قصر النيل أنشأه محمد علي لإبنته زينب ، ولما تولى سعيد باشا الحكم قام بهدم القصر وتحويله لثكنات للجيش ، وقد احتلها الإنجليز بعد احتلالهم لمصر و بعد جلائهم تم هدم الثكنات ، وبناء جامعة الدول العربية وفندق هيلتون.

و يذكر أن الكوبري كان مكوناً من 8 أجزاء منها جزء متحرك من ناحية ميدان الإسماعيلية “ميدان التحرير” طوله 64 متراً لعبور المراكب والسفن، يتم فتحه يدوياً من خلال تروس، علاوة على جزأين نهائيين بطول 46 متراً، و5 أجزاء متوسطة بلغ طول كل منها 50 متراً.
وتم تأسيس دعائم الكوبري من “الدبش” المحاط بطبقة من الحجر الجيري الصلب، كما تم تنفيذ الأساسات بطريقة الهواء المضغوط، وصممت فتحات الكوبري كي يمكنها حمل 40 طناً، والسماح بعبور عربات متتابعة وزن كل منها 6 أطنان.
كما بلغ ارتفاع جسم الكوبري عن سطح النيل حوالي 10 أمتار، تحسباً لفيضان النيل، بالإضافة إلى وضع الأسود الـ4 على مداخل الكوبري، اثنان منها على جانبي كل مدخل، وهي من البرونز، وتم تصنيعها خصيصاً في فرنسا ونقلت للقاهرة.
وللتأكد من صلابة جسم الكوبري وصلاحيته للاستخدام تم مرور 6 مدافع مع كامل ذخيرتها عليه.

ونظراً للتوسع العمراني في القاهرة والجيزة في الثلاثينيات من القرن الـ20، أصبح الكوبري لا يفي باحتياجات السكان من النقل والحمولات الثقيلة.
فقام الملك فؤاد بوضع حجر الأساس لكوبري جديد في 4 فبراير 1932 ، حيث أنه بعد 59 سنة من إنشاء الكوبري تم عمل كوبري جديد مكان الكوبري القديم يفي بحاجة النقل المتزايدة والحمولات الحديثة ، حيث قد قام بوضع حجر أساس الكوبري الجديد في 4 فبراير عام 1932 إحياءً لذكرى والده فقد أطلق عليه اسم (كوبري الخديوي إسماعيل) ، ويبلغ طول الكوبري (382 مترا) – وعرض الكوبري (20 مترا) بتكلفة بلغت 291,955 جنيها، وقام الملك فؤاد الأول بافتتاحه في 6 يونيو عام 1933.

و يشار إلى أن الكوبري الجديد من تصميم السير رالف فريمان مصمم جسر ميناء سيدني بأستراليا، وتم هدم الكوبري القديم بفك كل قطعة من جسم الكوبري، ووضع رقم عليها، وتم ترقيم كل أجزاء الكوبري إلى أرقام مسلسلة لتجميعها مرة أخرى، واستخدامها في بناء الكوبري الجديد .
و الجدير بالذكر أنه بدأ العمل بشكل فعلي على إنشاء كوبري الخديوي إسماعيل الجديد، في أبريل 1931 بإنشاء قيسون تتم عليه إقامة دعائم الكوبري وأنشئ بعده قيسونين آخرين ، يتكون كل منهم من إطار مصنوع من الصلب توضع فيه الخرسانة المسلحة وفي الأسفل توجد غرفة يباشر فيها العمال البناء تحت الأرض.
وفي نهاية الجزء العلوي من القسون كان يوجد ما يعرف هندسياً بإسم “كباية الهواء” ، وتتصل بها ماسورة تنتهي إلى غرفة العمال وبواسطة تلك الماسورة كان العمال ينزلون إلى غرفة العمل ، ومنها تهبط وترتفع المواد المطلوبة أو المراد التخلص منها.
و يشار إلى أن كان ضغط الهواء داخل الماسورة وغرفة العمل يتم من خلال آلات خاصة، لهذا الغرض وكان الهدف من تلك العملية ضغط الماء المتسرب من قاع النهر إلى غرفة العمل.
ثم يدخل العمال إلى كباية الهواء وتتم زيادة ضغط الهواء فيها إلى أن يعادل ضغط الهواء في القيسون فيهبط العمال إلى الغرفة ،التي تكون خالية من الماء تقريباً بفضل ضغط الهواء المستمر.
ويباشر العمال عملهم بوضع المخلفات في أواني خاصة توضع في كباية الهواء ، حيث ترفع ليتم تفريغها قبل أن تعاد خاوية مرة أخرى إلى القاع.
وكلما أتسع نطاق الحفر كانت القيسونات تهبط إلى أن وصلت إلى العمق المطلوب وهو 23 متراً تحت سطح ماء النهر ، وكان كلما يهبط القيسون تتم زيادة ضغط الهواء تدريجياً كي يتمكن من مقاومة الماء إلى أن يبلغ ضغطه 2،3 كيلو لكل سنتيمتر.
وعند وصول القيسون إلى العمق المطلوب كان العمال يقومون بملء الغرفة بالخراسان ، ثم يتم رفع الماسورة وكباية الهواء وبالتالي تتكون كتلة صلبة من الخرسانة تكون أساساً لإحدى الدعامات الجرانيتية التي يقوم عليها بناء الكوبري.
وكانت الدعامة الجرانيتية تبنى داخل امتداد للقيسون مصنوع من الصاج يعلو سطح الماء فيحجزه ، حتى إذا ما انتهى العمال من البناء تزال ألواح الصاج فلا تظهر الدعامة إلا عند انخفاض منسوب النيل.

و يوضح ذلك أن العمل في إنشاء الكوبري شاقاً للغاية، فتلك الطريقة تكررت عدة مرات لإنشاء دعائم الكوبري ، أضف إلى ذلك المصاعب التي كانت تعترض البناء في موسم الفيضان.
تم الانتهاء من البناء في يوم الثلاثاء الموافق السادس من يونيه عام 1933، وأطلق على الكوبري الجديد اسم “كوبري الخديوي اسماعيل” تخليداً لذكرى والد الملك فؤاد الأول ، وقام الأخير بافتتاح الكوبري بنفسه بعد أن تابع عملية البناء شخصياً.

و ظهر واضحاً في الكوبري الجديد الناحية الفنية والجمالية التي بدت ملائمة لأهمية موقعه ، فأصبحت عند كل من مدخلية منارتان من حجر الجرانيت على رأس كل منها مصباح، وأمامها واحد من الأسود الأربعة التي كانت قائمة على مدخلي الكوبري القديم ، التى تم الاحتفاظ بها لتكون أثرا ، يدل على صاحب المشروع الخديوى اسماعيل، وعند نهاية الكوبري شرفتان جميلتان تطلان على شاطئ النيل.

ومنذ ذلك التاريخ صار الكوبري أحد أهم شرايين القاهرة التي تربط بين القاهرة والجزيرة.
وخلال السنوات التالية شهد الكوبري الكثير من الأحداث التي لا تنسى منها حادث تعرض له الملك فاروق بسيارته مع لوري تابع للجيش البريطاني تعامل سائقه بوقاحة مع ملك مصر ، كما شهد الكوبري حادث السيارة الشهير الذي تعرض له أحمد حسانين باشا رئيس الديوان الملكي في عهد فاروق الأول.

وبعد ثورة يوليو 1952، تغير اسم الكوبري إلى كوبري قصر النيل”، وبعدها شهد الكوبري أحد أهم الأحداث التي شهدتها، فلا يزال كثيرين يتذكرون جنازة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في سبتمبر 1970 ، عندما بثها التلفزيون المصري وهي تعبر كوبري قصر النيل طوال 15 دقيقة.

و تجدر الإشارة إلى أن يحرص الكثيرين من المصريين والأجانب على حد سواء ،على التقاط الصور التذكارية بجانب أو أعلى اسود الكوبري التي فاقت شهرتها الكوبري نفسه.
كما صار الكوبري أحد متنزهات القاهرة خاصة في ليالي الصيف، حيث أنه يعد متنزهاً مجانياً للجميع .

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق