تقرير

القيادة المصرية إبان حرب أكتوبر أجرت خطة خداع استراتيجي لتضليل العدو عن موعد الحرب

كتبت: هبة حرب

سبقت حرب أكتوبر 1973 بعض من إجراءات الخداع الإستراتيجي لتضليل العدو ، إذ كان من المستحيل أن تتم كل استعدادات الحرب دون أن يلاحظ العدو ذلك ، خصوصا وأن القوات المصرية كانت لا يفصلهما عن العدو سوى قناة السويس ، كما أن القوات السورية كانت تحت الملاحظة المستمرة من جانب العدو الذي يحتل مرتفعات الجولان و جبل الشيخ والتي تكشف مناطق حشد القوات في المناطق المنخفضة .

كما أنه في ظل تعاون المخابرات الإسرائيلية و الأمريكية ، فلو أن إسرائيل علمت بنية القتال المصرية لبادرت بضربة وقائية عنيفة للقوات المصرية تجعل القتال أشد تعقيداً ، خاصة و أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية تقوم علي ضرورة إعلان التعبئة العامة عند ملاحظة أي تحركات لقوات العدو تنطوي على تهديد محتمل لأمنها ، دون التطرق لنوايا العدو من هذه التحركات ، إذا كانت نية هجوم حقيقي أم مناورة حربية فقط .

لذلك كان لزاماً علي القيادة المصرية أن تجري تحركات عسكرية ضخمة علي الجبهة بشكل منتظم ، و لأكثر من مرة قبل الحرب دون شن هجوم حقيقي حتى تفقد القيادة الإسرائيلية ثقتها في صدق التحركات المصرية ، و تعتمد على تقدير النوايا المصرية ، و تتكاسل عن إعلان التعبئة العامة الذي يكلفها عشرة ملايين دولار في كل مرة ، و هنا تأتي الضربة المصرية الحقيقية.

وخلال تلك الخطة اتخذت القيادة المصرية عدة بنود لخداع العدو  في مرحلة ، ما يسمى بـ ضباب ما قبل المعركة أو خطة الخداع الإستراتيجي و كان من بين هذه البنود أولا : إعلان الرئيس السادات أن عام 1971 هو عام الحسم دون حدوث أي شيء خلال ذلك العام .

و هذا بالإضافة إلى تنفيذ مناورة عسكرية موسعة كمشروع تدريبي في النصف الأول من عام 1973 ، مما اضطر إسرائيل إلى إعلان التعبئة الجزئية تفادياً لأي مفاجآت مصرية ، و لكن الأمر لم يتطور إلي أي نوع من الحرب .

و أيضا من بين خطة الخداع الإستراتيجي التي قامت بها القيادة المصرية قبل حرب أكتوبر، هو توصيل معلومات مغلوطة إلي العدو الإسرائيلى تفيد بأن القوات المصرية ستقوم بعمل عسكري موسع في شهر مايو 1973 ، و أخري تفيد بأن العملية ستكون في أغسطس 1973 ، مما جعل إسرائيل تعلن التعبئة العامة مرتين في حين كانت القوات المصرية في حالة استرخاء تام .

وذلك بجانب الإعلان عن قيام القوات المسلحة المصرية بمناورة عسكرية موسعة بدءاً من أول أكتوبر و حتى 7 أكتوبر 1973 ، و أنه إعتباراً من يوم 9 أكتوبر يمكن للضباط التقدم لتسجيل أسمائهم ضمن الموفدين في رحلة العمرة المصرية ، التي أعلن عنها في الصحف المصرية و داخل القوات المسلحة المصرية و علمت بها إسرائيل عن طريق مخابراتها .

و ضمن خطة الخداع أيضا أنه تم إعلان التعبئة العامة للقوات المسلحة المصرية قبل الحرب بأيام قليلة ، بحجة المشاركة في المشروع التدريبي ، ثم تسريح عدة ألاف منهم ممن لن يشاركوا في الحرب ، وحجز المطلوبين للمشاركة فقط ، و بالتالي فقد تأكد لإسرائيل أنه مجرد مشروع تدريبي .

وشملت الخطة أيضا تحريك القوات إلى جبهة قناة السويس بطريقة سرية ليلاً في فترات الظلام التام ، ولاسيما العربات التي تحمل أجزاء كباري العبور

و جاء ضمن خطة الخداع التي أجرتها القيادة المصرية قبل حرب أكتوبر، التعاقد مع إحدي الدول الأسيوية الصديقة لصيانة بعض القطع البحرية المصرية ، و الإتفاق مع السودان و اليمن الجنوبى على أن تستقبل هذه القطع البحرية في مينائي بورسودان و عدن في 5 أكتوبر خلال رحلتها إلي الدولة الآسيوية ، بحيث تصل القطع إلي مضيق باب المندب في صباح 6 أكتوبر 1973 ، مما يكفل لها القيام بإعتراض خطوط مواصلات البحرية الإسرائيلية ، و بذلك يصبح التأمين الإسرائيلي لشرم الشيخ بهدف تأمين الملاحة في خليج العقبة لا قيمة له.

كما قررت القيادة المصرية في ذلك الوقت التوقف قبيل الحرب عن أعمال التخطيط ، و الإستطلاع حتى لا يكشف النقاب عن وجود نية لشن الحرب.

وكلفت القيادة المصرية وزير الخارجية المصري محمد حسن الزيات بعقد لقاء مع نظيره الأمريكي هنري كيسنجر، و ذلك من أجل إبلاغه برغبة مصر في التفاوض لإستعادة أرضها بشكل سلمي.

كما وقع الرئيس السادات في 4 أكتوبر 1973عقداً يسمح لشركتي البترول الأمريكتين “موبيل و إسو” بإستكشاف البترول في مصر ، هذا بالإضافة إلى إنشاء الإذاعة المصرية لإدارة عبرية اللغة من القاهرة ، تذيع الموسيقي و الأغاني الغربية لجذب أسماع الشعب الإسرائيلي إليها ، ولا تتحدث عن عداء لليهودية أو الصهيونية ، و تؤكد علي أن الشعب المصري ملتزم بوسائل الأمم المتحدة السلمية لإستعادة أراضيه المحتلة ، وأنه يريد السلام و البناء ولا يريد الحرب.

و من بين بنود خطة الخداع التي وضعتها القيادة المصرية أن ظل رجال موجة العبور الأولى قابعين في أماكنهم الحصينة و خنادقهم بكامل أسلحتهم ومعداتهم لمدة زادت عن 12 ساعة ، دون أن يرفع أحدهم رأسه فيراه العدو بكامل معداته و ملابسه الميدانية ، وقد صرح موشى دايان قبل الحرب ساخراً من الجيش المصري قائلاً : يمكنك أن تعرف أن المصريين سوف يحاربون إذا رأيتهم يلبسون خوذاتهم ، وقد استفادت القيادة من هذا التصريح بأن أمرت بألا يرتدي الجنود خوذاتهم إلا قبل ساعة الصفر بخمس دقائق فقط ، في حين ظلت باقي القوات حتى أخر لحظة لا تبدى أي إستعداداً أو توتراً ، بل خُصِصَت منهم جماعات للإستحمام في مياه القناة ، و غسل الملابس ، و جماعات أخرى تسترخي تحت أشعة الشمس ، و أفراد يقومون “بمص القصب” أو ممارسة الألعاب الرياضية ، و هو ما شاهده دايان بنفسه عند زيارته للجبهة في 6 أكتوبر 1973 قبل إشتعال الحرب بساعات قليلة .

وهذا بجانب أيضا إختيار ميعاد الحرب ليكون يوم السبت 6 أكتوبر ، الذي صادف يوم كيبور أو عيد الغفران لدى اليهود و إختيار ساعة الصفر لتكون 14.05 الثانية ظهراً ، و هو ميعاد غير معتاد لبدء القتال ، فالتقليدي أن يبدأ القتال مع أول ضوء أو مع آخر ضوء من اليوم .

ويشار أيضا إلى أن حدثت معركة جوية سورية إسرائيلية في 13 سبتمبر 1973 ، أدت إلى توتر الموقف بين البلدين فإستغلت القيادة السورية الموقف ، و حشدت قواتها تحت أعين الإسرائيليين ، و كان ذلك في إطار عمل دفاعي تقليدي في ظل توتر الموقف .

وساعدت هذه الخطة في تضليل العدو الإسرائيلي عن نوايا القيادة في القيام بحرب، مما أدى لوجود عنصر المفاجأة الذي أربك العدو و أذاقه مرارة الهزيمة.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق